عرف تاريخ المغرب شخصيات استثنائية لم تكن مجرد زعماء عابرين، بل قادة غيّروا مسار التاريخ وتركوا بصمة عميقة في الفكر والسياسة والدين، ومن بين هؤلاء يبرز المهدي بن تومرت، الشخصية التي شكلت منعطفًا حاسمًا في تاريخ المغرب الوسيط، ومهّدت لقيام واحدة من أقوى الدول الإسلامية في الغرب الإسلامي.
![]() |
| رؤية تاريخية للمفكر والقائد المهدي بن تومرت، مؤسس الحركة الموحدية في المغرب |
لم يكن المهدي بن تومرت قائدًا عسكريًا فحسب، بل كان مفكرًا إصلاحيًا وزعيمًا عقائديًا، استطاع أن يوحّد قبائل متفرقة حول مشروع ديني وسياسي، أسس من خلاله الدولة الموحدية التي امتد نفوذها لاحقًا من المغرب إلى الأندلس.
عظماء في تاريخ المغرب: المهدي بن تومرت مؤسس الدولة الموحدية
يُعد المهدي بن تومرت المؤسس الفكري والعقائدي للدولة الموحدية، إذ وضع الأسس النظرية والتنظيمية التي قامت عليها، بينما تولى تلميذه عبد المؤمن بن علي الكومي تحويل هذا المشروع إلى دولة قوية ذات مؤسسات وجيش منظم تهابه كل جيوش المنطقة.
وقد جمع ابن تومرت بين الدعوة الدينية، والإصلاح الاجتماعي، والعمل السياسي، في مرحلة كان فيها المغرب يعيش تحولات كبرى تحت حكم المرابطين.
أصل ونشأة المهدي بن تومرت
يتفق أغلب المؤرخين على أن أصل المهدي بن تومرت أمازيغي مصمودي، ينحدر من قبائل المصامدة بسوس، وتحديدًا من منطقة أرغن شرق تارودانت العريقة، و قد وُلد سنة 473 هـ الموافق لـ1081م داخل أسرة محافظة معروفة بالاستقامة والتدين.
الألقاب التي عُرف بها المهدي بن تومرت
- المهدي: نسبة إلى تبنّيه فكرة المهدوية
- ابن تومرت: نسبة إلى اسم والده
- الإمام: لدوره الديني والقيادي
- أسافو: وتعني "النور" بالأمازيغية
- أمغار: أي الشيخ أو الزعيم
- أبو عبد الله: كنية وردت في بعض المصادر
التكوين العلمي والفكري للمهدي بن تومرت
أبدى المهدي بن تومرت منذ صغره شغفًا بالعلم، فبدأ بحفظ القرآن الكريم في المساجد والكتاتيب، ثم تعمق في علوم الشريعة واللغة العربية، وبعد أن اشتد عوده، قام برحلات علمية طويلة شملت الأندلس والمغرب الأوسط، ثم المشرق الإسلامي.
زار مصر والحجاز حيث أدى فريضة الحج، وأقام فترة في العراق، واطلع على المدارس الفكرية والكلامية، وهو ما أكسبه ثقافة واسعة ومكنه من بلورة مشروع إصلاحي متكامل يجمع بين العقيدة والسياسة.
ظروف تأسيس الحركة الموحدية في المغرب
جاء مشروع المهدي بن تومرت في سياق انتقاده الشديد لما اعتبره انحرافًا دينيًا في عهد المرابطين، فأسس حركة إصلاحية تقوم على التوحيد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وربط ذلك بإقامة حكم عادل.
وكان أول من بايعه أهل قبيلته بأرغن، ثم انتقل إلى واد نفيس، قبل أن يستقر في تينمل التي أصبحت المركز الروحي والعسكري للحركة الموحدية، وفي سنة 1121م تمت مبايعته رسميًا، وبدأ في تنظيم أتباعه وتكوين نواة جيش منظم.
أهم محطات حياة المهدي بن تومرت
|
الحدث |
التاريخ |
|
الميلاد |
1081م |
|
بداية طلب
العلم |
أواخر
القرن 11م |
|
الرحلات
العلمية |
قرابة
10–15 سنة |
|
إعلان
المهدوية |
1121م |
|
الاستقرار
بتينمل |
بعد 1121م |
|
معركة
البحيرة قرب مراكش |
1129م |
|
الوفاة |
1129م |
المواجهة مع الدولة المرابطية
بعد تنظيم أتباعه، دخل المهدي بن تومرت في مواجهة مباشرة مع المرابطين، وشنّ عدة حملات ضد القبائل الموالية لهم، وتُعد معركة البحيرة قرب مراكش سنة 1129م أبرز هذه المواجهات، حيث مُني أتباعه بهزيمة قاسية، وقُتل رفيقه المقرب محمد البشير.
وفاة المهدي بن تومرت واستمرار المشروع الموحدي
توفي المهدي بن تومرت سنة 1129م بمنطقة تينمل، وحرص أتباعه في البداية على كتمان خبر وفاته حفاظًا على تماسك الحركة، وبعد ذلك تولى القيادة عبد المؤمن بن علي الكومي، الذي سار على نهجه، وتمكن من إسقاط الدولة المرابطية وتأسيس دولة موحدية قوية.
خلاصة
يُعد المهدي بن تومرت أحد أبرز الشخصيات المؤسسة في تاريخ و حضارة المغرب، ليس فقط باعتباره مؤسس الدولة الموحدية، بل لأنه قدّم مشروعًا إصلاحيًا جمع بين العقيدة والسياسة والتنظيم.
لقد شكّل فكربن تومرت المتنور الأساس الذي قامت عليه دولة عظيمة تركت بصمتها الواضحة في تاريخ المغرب والأندلس، وما تزال آثارها حاضرة في الذاكرة التاريخية والحضارية للمملكة المغربية.
