مدينة الحسيمة المغربية: تاريخ غني وهوية ريفية أصيلة
تعتبر مدينة الحسيمة من أجمل مدن المملكة المغربية، غير أنها لا تعد من بين المدن العتيقة كما هو الشأن بالنسبة لمدن أخرى من قبيل مراكش، فاس، مكناس.... و غيرهم، لكن بالمقابل قان قراها و مداشرها المنتشرة بضواحيها و و لا سيما جبال الريف فلها تاريخ عريق و قطن بها الناس مند أمد طويل، و تشهد على حضارة و ثقافة أصيلة و متنوعة لايزال سكان الريف الأصليون يحافظون عليها ضمن تقاليدهم و عاداتهم.
![]() |
| رؤية تاريخية لمدينة الحسيمة أثناء بدايات تأسيسها في فترة الحماية الإسبانية |
في هذا المقال سنحاول التطرق لنشأة المدينة، و حركات المقاومة و مختلف التحولات التي عرفتها عبر مختلف المراحل التاريخية التي عرفها المغرب.
تأسيس مدينة الحسيمة
تعتبر مدينة الحسيمة مدينة حديثة، عرفت وجودها ابان الحماية التي تم فرضها على المغرب، حيث لما دخل الاسبان الى المنطقة و نظرا لموقعها الاستراتيجي و قربها من مدينتي مليلية و سبتة السليبتين، فقد شرعوا في بناء مجموعة من بيوت القصدير، و دلك بداية من عام 1925 ميلادية، و في السنة التالية أي عام 1926 ميلادية بنوا بها بعض الثكنات لايواء و تجمع جيوشهم المحتلة، و موازاة مع دلك أحدثوا مجموعة من المرافق الضرورية لأفرادهم تشمل مرافق الترفيه و الرياضة ...، بالإضافة الى كنيسة، و هي الفترة التي تعد بداية تشييد المدينة و التي أطلق عليها حينها اسم "سانخورخو".
التسميات التاريخية لمدينة الحسيمة عبر الزمن
|
التسمية |
الفترة
الزمنية |
الدلالة
التاريخية |
|
قرى الريف |
ما قبل
1925 |
تجمعات
سكنية ريفية ذات جذور أمازيغية |
|
سانخورخو |
1925 –
1956 |
اسم أطلقه
الاحتلال الإسباني |
|
الحسيمة |
بعد 1956 |
اسم مغربي
رسمي بعد الاستقلال |
شكل المعمار في مدينة الحسيمة
نظرا لكون المنطقة كانت محتلة من قبل الاسبان، فان شكل معمارها الأول أخد الطابع الأوروبي الكولونيالي، و الدي لم يحترم أصالة و عراقة المعمار المغربي الإسلامي الرائع، و كان دلك بقصد منهم بسبب استعلاءهم لا سيما من خلال مشروع المهندس كارلوس أوفيلو، غير أنه و فيما بعد قام مهندس عسكري يدعى بلانكو الى إعادة النظر في تصميمات المباني و المعمار، فأدخل على بنايات تهم مجموعة من المؤسسات الإدارية و كدا الدينية لمسة الهندسة المعمارية المغربية مستوحيا دلك من الطابع الأندلسي المتجسد في عدة مباني و مآثر تاريخية عندهم، و ذلك فيما خلفه عندهم المرابطون و الموحدون.
جدير بالدكر أن أهل منطقة الريف الشرفاء رفضوا حينها أن يقطنوا بتلك المباني التي شيدها الاحتلال، و بقوا يسكنون بمنازلهم بالقرى محافظين على أراضيهم و كرامتهم و عزتهم.
أهم الأسباب التي دفعت الاسبان لاختيار الموقع الدي بنت عليه مدينة الحسيمة
رغم ما يروج اليه البعض من أسباب أخرى غير منطقية و غير صحيحة، فان أهم الأسباب التي جعلت قوات الاحتلال اختيار دلك الموقع هو بالدرجة الأولى أمني عسكري استراتيجي، فكما هو معروف فموقعها المطل على البحر و قربها من المدينتين المغربيتين المحتلتين سبتة و مليلية، و مجموعة من الجزر الأخرى، فقد اختارت دلك المكان لخدمة مصالحها ليس الا، و لدلك نجد اليوم أن مجموعة من المناطق تأخد أسماء اسبانية من قبيل شاطئ كيمادو، صبديا ....
![]() |
| ملامح من المعمار الإسباني الذي طبع مدينة الحسيمة خلال فترة الحماية |
أهم المؤسسات التي شيدها المستعمر بالمدينة
لقد بنى بها الاستعمار الاسباني مجموعة من المؤسسات أهمها مدرسة عام 1928 ميلادية أطلق عليه اسم "معهد ديا" الدي كان يدرس به في الأول فقط أبناء الاسبان، و حوالي سنة 1936 ميلادية و بعد بداية استقرار سكان الريف بالمدينة أصبح أبنائهم بدورهم يدرسون بها، و تعرف هده المؤسسة اليوم باسم "مدرسة محمد الخامس، كما قاموا ببناء مدارس أخرى مند سنة 1931 ميلادية بكل من مركز تاركيست، مزورن، بوعياش ....، و في عام 1932 ميلادية أسسوا كنيستهم لممارسة ديانتهم المسيحية و التعبد بها، إضافة الى بعض المرافق الأخرى.
حركة المقاومة بالريف بزعامة القائد عبد الكريم الخطابي
لقد عرف المغرب عدة حركات مقاومة، حيث كانت حركة بالأطلس المتوسط بزعامة موحا و حمو الزياني ، و حركة أخرى بالأطلس الكبير و الصغير بزعامة عسو اوبسلام، و حركة بالجنوب بزعامة أحمد الهيبة، و كانت حركة مقاومة أخرى شرسة بالريق بزعامة عبد الكريم الخطابي الدي كان يلقب بأسد الريف، و خاض مع باقي أفراد المقاومة الأشاوس بشجاعة عدة معارك و كانوا أول من نهجوا ضد الاستعمار حرب عصابات، و أشهر معركة كبدوا فيها قوات الاحتلال خسائر فادحة في الأرواح و العتاد هي معركة أنوال عام 1921 ميلادية و التي انتصروا فيها.
العوامل التي جعلت منطقة الحسيمة مركزًا للمقاومة الريفية
- الطبيعة الجبلية الوعرة لجبال الريف التي صعّبت تحركات جيوش الاحتلال
- الوعي المبكر لسكان الريف بخطورة الاستعمار على الأرض والهوية
- القيادة العسكرية والسياسية لعبد الكريم الخطابي
- التماسك الاجتماعي والقبلي بين ساكنة المنطقة
- الموقع الاستراتيجي القريب من السواحل والجزر المحتلة
مدينة الحسيمة بعد الاستقلال
تجدر الإشارة الى أن المواطنين الاسبان الدين ارتبطوا و تعايشوا بالمدينة و لم يستطيعوا مغادرتها، فقد بقوا بها و لم يتم طردهم منها، و منهم من بقي بها الى أن وافته المنية على أرضها الطاهرة.
أهمية مدينة الحسيمة داخل المملكة المغربية
ان مدينة الحسيمة من المدن الجميلة داخل المملكة المغربية، و قد عرفت تطورا مهما على مستوى معمارها الدي أصبح بتصميم و هندسة مغربية أصيلة راقية، كما تم ايلائها أهمية كبيرة من خلال احداث كل المرافق الضرورية الإدارية و الثقافية و الاجتماعية .....، و و لازالت تسير على درب التنمية في أفق أن تتوفر على كل ما تصبو اليه ساكنتها الطيبة.
تعد مدينة الحسيمة من المدن السياحية الرائعة، حيث تتوفر على مناظر طبيعية رائعة بالإضافة الى شواطئ ممتازة، و مجموعة من الفنادق و المطاعم المتنوعة و الراقية، و تجدب أعداد مهمة من السياح على مدار السنة و خصوصا في الفترة الصيفية.
![]() |
| الحسيمة اليوم مدينة سياحية نابضة بالجمال والطبيعة المتوسطية |
خلاصة
رغم أن مدينة الحسيمة ليست قديمة، غير أن قراها و مداشيرها جد عريقة و منها ما وجد حتى قبل الفتوحات الإسلامية كما يشير مجموعة من المهتمين، و في المقابل فان تاريخها غني بالأحداث التي شهدتها ابان فترة الحماية و الاحتلال، و لا تزال مجموعة من معالم و الآثار التاريخية التي تشهد على هده الحقبة من حضارة هده المدينة البهية التي تجلب المهتمين و الباحثين في تاريخها.


